أهلاً 2019
على موقع ويبو، صادفتُ قصائد لطيفة مليئة بالخيال، فأُعجبت بها أيما إعجاب، وقلت في نفسي: “يا له من أسلوب رائع في كتابة الشعر! أرغب في تعلمه!”
وعلى تويتر، أبهرتني لوحات فنان ياباني شاب، فكم هي مدهشة من حيث المشهد، وعمق التعبير العاطفي، وخصوبة الخيال! تمنيتُ لو أستطيع أنا أيضاً أن أعبّر عن الصور التي تدور في ذهني.
قبل يومين، شاهدتُ مسلسل ‘ستار تريك’ واكتشفتُ لغة الكلينغون، وهي لغة ابتكرها فريق الإنتاج خصيصاً للكائنات الفضائية في المسلسل، بل ووفروا ترجمة للمسلسل بهذه اللغة. ما أدهشني أكثر هو بيع أكثر من 250 ألف نسخة من قاموس الكلينغون، ووجود إصدار من محرك بحث جوجل بهذه اللغة، وحتى ‘دوولينغو’ يقدم دورات لتعلمها! فكرتُ في نفسي: “يا له من روعة أن يتطور عالم الخيال العلمي إلى هذا الحد!” أرغب في تعلمها!
في هذين اليومين، كنتُ أشاهد مسلسل ‘صديقتي الرائعة’ (My Brilliant Friend)، وقد شدّتني شخصية ‘ليلا’ الكاريزمية، وأعجبتُ بعمق صداقتهما الرقيقة، كما وجدتُ اللغة الإيطالية في غاية الجمال! أرغب في تعلمها!
وهناك الكثير من الأمثلة المشابهة، فهذه هي طبيعة حياتي اليومية؛ كل بضعة أشهر، أجد نفسي أفتح أبواباً لعوالم جديدة.
على الرغم من أنني أقضي معظم وقتي بمفردي، إلا أنني لا أشعر بالملل أو الوحدة أبداً، فالعالم مليء بالأشياء المدهشة والمثيرة للاهتمام. ينتابني الفضول تجاه كل ما هو مجهول، وأرغب في تجربته وفهمه، وأتوق لتعلم كل ما أعتبره “رائعاً”.
بالطبع، تعريفي لمصطلح “الروعة” يختلف قليلاً عن المتعارف عليه؛ فأنا أرى أن أي شيء أجد فيه متعة هو رائع. على سبيل المثال، أجد الأشخاص الذين يقرأون الكثير من الكتب رائعين، والشعراء رائعين، ومن يرسمون لوحات جميلة رائعين، ومن يلتقطون صوراً فوتوغرافية رائعة رائعين، ومن ينتجون أفلاماً ومسلسلات رائعة رائعين، ومن يبتكرون برمجيات ممتازة رائعين، ومن يقدمون آراء مبتكرة رائعين، ومن يعبّرون عن أفكارهم بحرية رائعين، ومن يتحدّون السلطة رائعين. قد لا يرى الآخرون الأمور بنفس الطريقة، لكنني أجد نفسي رائعاً أيضاً.
عندما التحقتُ بالجامعة لأول مرة، كنتُ مليئاً بالحماس، لكن هذا الحماس تلاشى تدريجياً بفعل التأثيرات الخفية للبيئة المحيطة، وأسلوب التدريس القائم على التلقين، واللوائح الإدارية المتفرقة التي لا طائل منها.
أستطيع أن أقول بمسؤولية كاملة إن الجامعات الصينية العادية هي أماكن تقتل فضول الطلاب وشغفهم بالتعلم. هذا ليس تعليماً، بل هو مجرد استمرار للإدارة في مكان آخر. عندما رأيتُ سلوك ما يُسمى بالجامعات الصينية المرموقة في التعامل مع أحداث مشابهة لحادثة شنيانغ في بداية العام، ورأيتُ قمع جامعة بكين (北大) لطلابها الذين تجرأوا على الدفاع عن حقوق العمال، وحظرها للجمعيات الطلابية، قلت في نفسي: “هيه، حتى الجامعات العريقة ليست أفضل حالاً، بل هي غارقة في الفوضى ذاتها.” عندما لا يُسمح بالحرية في حرم الجامعة الذي يجب أن يكون منبراً للدعوة إلى الحرية والعدالة، فقد شعرتُ بخيبة أمل كبيرة تجاه هذه الأنواع من المؤسسات التعليمية.
في الأشهر التي تلت التخرج، وبعد أن أُتيح لي وقت كافٍ لمواجهة ذاتي، بدأتُ أستعيد نفسي تدريجياً؛ استعدتُ فضولي الأصيل، وشغفي بالمعرفة المجهولة، ورغبتي العميقة في الاستكشاف، واندفاعي نحو التجربة. أرغب في استكشاف عالم أوسع، وفي التعبير عن ذاتي.
أكتب بين الفينة والأخرى، 80% من كتاباتي للتعبير عن ذاتي، و20% منها للتواصل. ليس هدفي أن أكون غريباً أو متفرداً، بل أحياناً تتملكني أفكار لا أستطيع التخلص منها ما لم أدوّنها؛ تبقى عالقة في ذهني لأيام وأسابيع، لا تفارقني. أرغب في التواصل، لكنني أخشاه في الوقت ذاته، خوفاً من ألا أعرف كيف أردّ أو أستجيب.
أعتقد أن التعبير عن الذات لا يجب أن يتقيد بشكل معين؛ فأحياناً أستخدم الكلمات، وأحياناً أخرى الرسم، وكذلك التصوير الفوتوغرافي. أحاول أيضاً كتابة الشعر والبرمجة، وربما سأقوم مستقبلاً بتصوير مقاطع فيديو قصيرة تستغرق بضع دقائق. كل ما أريده هو التعبير بأكثر الطرق ملاءمة، وتلك التي توصل أفكاري الداخلية بشكل أفضل. ليس ضرورياً أن يرى عملي الكثير من الناس، لكنني أتمنى على الأقل أن يكون لي بضعة مشاهدين.
منذ طفولتي، لم أحصل على درجات عالية في كتابة المقالات، ولم أتعلم الرسم قط، وبدأت للتو في خوض غمار التصوير الفوتوغرافي. ومع ذلك، لا يساورني أي خوف من التجربة، ولا أخشى أن أكون موضع سخرية، لأن هدفي الأسمى هو التعبير، وليس الاستعراض. بصراحة، كشخص لا يلاحظني أحد ما لم أتكلم، وشخص يتمتع بحضور متدنٍ للغاية، فإن مجرد رؤيتي يعتبر إنجازاً نادراً. وبفضل هذا الحضور المتدني، وعدم امتلاكي لمواهب أو مظهر لافت، وعدم انشغالي بالعديد من التجمعات الاجتماعية التي لا يمكن رفضها، وبدون اهتمام زائد من الآخرين، فقد نلت حرية أكبر من غيري، حرية تمكنني من التصرف والتفكير بحرية تامة.
قمتُ بشراء خادم افتراضي خاص (VPS) لإعداد شبكة افتراضية خاصة (VPN)، وهذا يمكّنني من رؤية عالم أوسع وأكثر إثارة. تعلمتُ من خلال الدروس التعليمية كيفية إنشاء مدونة، وإضافة ميزات صغيرة إليها، وإعداد خدمة استضافة للصور، مما يتيح لي الكتابة بحرية تامة دون القلق بشأن الكلمات الحساسة أو خطر حذف المنشورات أو حظر الحسابات. أتعلم حالياً علم البيانات والتعلم الآلي، استعداداً لأصبح مبرمجاً متخصصاً في البيانات، فالكمبيوتر أداة متعددة الاستخدامات، وبفضله أستطيع إنجاز الكثير مما لم أكن أستطيع فعله في السابق.
أرغب في فهم كيفية عمل العالم، ولماذا يبدو العالم الذي نراه بهذا الشكل؛ أريد أن أعرف ما إذا كان الفضائيون موجودين حقاً، وهل سينتقل إيلون ماسك (Musk) فعلاً للعيش على المريخ؟ أود أن أكتشف كيف تتشكل الثقافات المختلفة، وكيف تتطور الأنظمة المتنوعة، وما هو الدور الحقيقي للتجارة بين الدول، ولماذا تندلع الحروب، وكيف تتكون الأسواق السوداء، ولماذا كانت مكانة المرأة ضعيفة غالباً وتتعرض للقمع في معظم الفترات التاريخية؟ أريد أن أفهم لماذا يشعر البشر بالبهجة والغضب والحزن والسعادة، وهل الشخصية تتشكل بفعل الوراثة أم التأثيرات البيئية بشكل أكبر، وما هي الأسرار التي تحملها الجينات، ولماذا يوجد الزواج وهل نظامه عادل، ولماذا توجد كل هذه الميول الجنسية المختلفة، وماذا يقول فوكو (Foucault) في كتبه بالتحديد…
الفضول والرغبة في المعرفة هما وقودي للحياة، لذلك أرغب في العيش لأطول فترة ممكنة، لأتمكن من استيعاب المزيد.
أشعر بيأس شديد تجاه المجتمع. كل يوم، أقرأ الأخبار الاجتماعية، ولا أجد لنفسي سوى الحزن والغضب، ولا أعرف ماذا يمكنني أن أفعل. لماذا لا يزال هناك الكثير من الناس يعانون من الظلم والقمع غير المعقول؟ لماذا لم ينالوا بعد العدالة التي يستحقونها؟ لماذا يمكن أن تكون الطبيعة البشرية بهذا القدر من الشر؟ لماذا يشربون دماء البشر وكأن ذلك حق مشروع لهم؟ لماذا يلعن الذين تُشرب دماؤهم من يرفضون شرب الدماء ويدعون الآخرين إلى عدم فعل ذلك؟ لماذا يُدرب المحكومون ليفكروا دائماً من منظور الحكام؟ أنا حزين جداً، وأنا غاضب جداً، وما زلت أرغب في معرفة إجابات هذه الأسئلة.
البشر هم في جوهرهم مجموعة من التناقضات. فعلى الرغم من يأسي الشديد تجاه المجتمع، إلا أنني ما زلت أستطيع أن أمتلئ بالشغف تجاه الحياة والعالم. هذه هي طريقتي للحفاظ على روحي حية في خضم هذا الواقع البائس.
الإنترنت هو عيناي وساقاي؛ فهو يأخذني إلى الأماكن التي لا أستطيع الوصول إليها حالياً، ويُريني الأشخاص المتألقين في كل زاوية من زوايا العالم، ويسمح لي باستكشاف ثقافات مختلفة والشعور بصدى تلاقي وجهات النظر المتضاربة.
وداعاً 2018، أهلاً 2019. في العام الجديد، آمل أن أستمر في عيش حياتي بالطريقة التي أحبها.
{% centerquote %} نحن لا نخشى إلا ما نجهله؛ فكلما ازداد علمنا، قلّ خوفنا. بقلم ليلا، من رواية “صديقتي الرائعة” (My Brilliant Friend) {% endcenterquote %}